الوطن اليوم الإخبارية – 5 يناير 2026
بقلم | حسن النجار
في عالم يعج بالمتناقضات والمتغيرات، يبرز سؤال جوهري: هل التشبث بالرأي الأوحد يؤدي إلى نتائج صحيحة في أي إشكالية أو موضوع محل نقاش؟ الإجابة، بناءً على منطق الفلسفة والتاريخ، هي نفي قاطع.
فالانفراد بالرأي ليس سوى بوابة للديكتاتورية والركود الفكري، يودي إلى وأد الحوار وفشل التواصل بين البشر، سواء في المجالات الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية. إن الاختلاف في الرأي لا يفسد الود،
بل يثري العقول ويبني جسور الفهم، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي وثورة المعلومات، حيث يصبح التوافق على رأي واحد أمرًا مستحيلًا يتنافى مع السنة الكونية التي تقوم على التنوع والتعددية.
الانفراد بالرأي يولد سلسلة من السلبيات الخطيرة. أولها الديكتاتورية بكافة أشكالها، كما في قول “ما أريكم إلا ما أرى”، الذي يسلب الآخرين حقهم في المشاركة.
نرى ذلك في بعض المحاضرات الجامعية حيث يتسلط الأساتذة ويرفضون النقاش، مما يقتل الإبداع لدى الطلاب. وإن كان هناك استثناءات لقادة يسمعون ويأخذون بالآراء الصائبة، فالتعميم خطيئة، لكن الواقع يشهد على كثرة الأولى.
ثانيًا، يؤدي إلى التخوين والعمالة، حيث يُرمى المخالف بالباطل رغم وطنيته. فالرأي المخالف في التعليم أو الاقتصاد قد يُجرم، مما يؤدي إلى زج المفكرين في السجون أو نفيهم، كما حدث لابن رشد الذي خالف رجال الدين فأحرقت كتبه ونفي إلى أليسانة.
ثالثًا، يكبت الحرية الفكرية، مما يصيب الفكر بالركود. فلماذا نفكر إذا كان الرأي الآخر مهملًا؟ هذا يدفع المبدعين للهجرة، فتفقد الأوطان عقولها، ويصبح الندم متأخرًا.
رابعًا، يؤدي إلى الاتهام بالزندقة، خاصة في القضايا الدينية. فبدل النقاش بالحجة، يُكفر المخالف. أولى بنا الاحتكام إلى العقول لا الاتهامات.
في ظل الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تُصبح ثقافة الاختلاف ضرورة للتواصل والانفتاح. فالاختلاف يثري لا يفسد، ويحقق اتصالاً عقليًا يتجاوز الاتجاهات المتنوعة. لا يمكن الاتفاق على رأي واحد، وإلا ما داعي الندوات والمؤتمرات؟ الاختلاف سنة كونية توافقها النهضة، لا تنافيها.
حفظ الله مصر وحفظ الله الوطن وتحيا مصر ورحم الله شهدائنا الأبرار.
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار
حسن النجار، كاتب صحفي ومفكر سياسي مصري بارز، يشغل منصب رئيس تحرير الأخبار بجريدة «الوطن اليوم»، ويُعد من أبرز الأصوات في الساحة الإعلامية المصرية. يتميز بتحليلاته العميقة للقضايا السياسية والاجتماعية، مستندًا إلى خلفية واسعة في الشؤون الدولية والإقليمية.
شارك في تغطية أحداث كبرى مثل الثورات العربية ومؤتمرات دولية، ويُعرف بمقالاته الرأي التي تركز على قضايا النهضة الوطنية، الدبلوماسية،
والتعددية الفكرية. حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، وله عدة كتب ومقالات منشورة في الصحف المصرية والعربية، يدعو دائمًا للحوار البناء والتسامح الفكري كأساس للتقدم.







